{لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا}أهلا وسهلا ضيوفنا الأعزاء

عجوز بني إسرائيل

كتبهاعادل زكريا ، في 1 أبريل 2008 الساعة: 11:48 ص

عن أبي موسى الأشعري قال: أتى النبيُّ- صلى الله عليه وسلم- أعرابيًّا فأكرمه، فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ائتنا"، فأتاه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "سلْ حاجتك"، فقال: ناقةً نركبُها، وأعنُزًا يحلبها أهلي.

 

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "عجزْتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟" قالوا: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟. قال: "إن موسى لمَّا سار ببني إسرائيل من مصر ضلُّوا الطريق، فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموتُ أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمَن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها، فأتته، فقال: دُليني على قبر يوسف، قال: حتى تُعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟ قالت: أكونُ معك في الجنة.

 

فكره موسى- عليه السلام- أن يُعطيَها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطِها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضِبُوا هذا الماءَ، فأنضبوا، قالت: احتَفِروا واستخرجوا عظام يوسف، فلمَّا أقلُّوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوءِ النهار" (حديث حسن رواه أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وصححه الحاكم).

 

شتَّانَ بين همة وطموح وسمو هذه المرأة رغم كبر سنها، وبين همة وطموح ذلك الأعرابي الذي شهد سباقًا للخيول، فسبق فرسٌ، فطفق يُكبِّر ويثب من الفرح، فقال له مَن بجانبه: أهذا الفرس فرسك؟ قال الأعرابي: لا، ولكن اللجام لي!!.

 

إن هذه المستويات المتواضعة لا يمكن أن تبنيَ أمةً أو تصنع حضارةً أو تُحدث تأثيرًا، وصدق صالح بن عبد القدوس حينما قال:

إذا أنت لا تُرجى لدفع مُـلِمَّةِ            ولم يكُ للمعروف عندك موضعُ

ولا أنت ذو جاهٍ يُعاشُ بجاهه           ولا أنت يوم البعث للناس تشفعُ

فعيشك في الدنيا وموتك واحد           وعُودُ خِلالٍ منْ حياتك أنفعُ

 

والهمة هي استصغار ما دون النهاية من معالي الأمور، وكلما كانت نفس الإنسان عزيزةً عليه، كريمةً لديه، مقدَّرةً عنده كلما ارتفع بها عن كل ما يحط من قدرها؛ فهي عنده كالطائر الذي حلَّق في السماء، وارتفع عن الدنايا والآفات، ولسان حاله يقول:

له همم لا منتهى لكبارها                وهمته الصغرى أجلُّ من الدهر

 

والناس متفاوتون في الهمم؛ ولذا يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "ولله الهمم ما أعجب شأنها وأشد تفاوتها!!؛ فهمة متعلقة بالعرش، وهمة حائمة حول الأنتان والحش".

كن كالصقور على الذرا              تصغي لوسوسة القمر

لا كالغراب يُطارد الـ                جيف الحقيرة في الحفر

 

ويمكن تصنيف الناس فيما يتعلق بالأهداف وبالهمم الموصلة إلى هذه الأهداف إلى أربعة أصناف رئيسة وهي:

1- صنف له أهداف سامية ومطالب عالية، وليس له همة توصله إليها؛ فهذا صنف متمنٍّ مغرور، نقول له ما قاله شوقي:

وما نيل المطالب بالتمني             ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا

 

2- وصنف له أهداف متواضعة ومطالب هابطة، وله همة عالية توصله إليها؛ فهؤلاء أضاعوا أنفسهم في سفاسف الأمور ودناياها، فلا خيرَ فيهم.

 

3- وصنف له أهداف متواضعة ومطالب هابطة، وليس له همة توصله إليها؛ فهو معدود من سقط المتاع، وموته وحياته سواء، لا يُفتقد إذا غاب، ولا يُسأل إذا حضر.

إذا أنت غمَّت عليك السماء            وضلَّت حواسك عن صبحها

فعش دودة في ظلام القبور            تغوص وتسـبح في قيحها

 

4- وصنف له أهداف سامية ومطالب عالية، وله كذلك همة عالية توصله إليها؛ فهؤلاء هم صنَّاع التأثير ومهندسو الحياة، وهم الأرقام الصعبة، فلله دَرُّهم.

 

لقد أثنى القرآن الكريم على الصنف الرابع وأبان فضلهم على غيرهم، فقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) (النساء: 95).

 

ويقول تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) (آل عمران).

 

وهذا رسولنا الكريم يضرب أمثلةً راقيةً سامقةً في علوِّ همته وسموِّ نفسه، فضلاً عن علوِّ أهدافه وسموِّ مطالبه؛ فلقد كان يسأل الله تعالى الوسيلة، وهي أعلى منزلة في الجنة، كما أنه علَّمنا أن تكون هممنا بأعالي الجنان.

 

فعن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أم حارثة.. إنها لجنان، وإن حارثة في الفردوس الأعلى، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس" (مسند أحمد).

 

وعن حذيفة- رضي الله عنه- قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوذ تعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم"، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قام طويلاً قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: "سبحان ربي الأعلى"، فكان سجوده قريبًا من قيامه" (رواه مسلم

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “عجوز بني إسرائيل”

  1. مدونة رائعععععععععة وأدعوك لزيارة مدونةhttp://somiayousof214.maktoobblog.com/

    ومدونة نحن أبقي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

طبتم وطاب دخولكم ونلتم من الله أجوركم ويسعدنا تعليقاتكم وسماع أرائكم
طبتم وطاب دخولكم ونلتم من الله أجوركم ويسعدنا تعليقاتكم وسماع أرائكم